عن فشل أوسلو

مَن يتوجب عليهم دفع الثمن على فشل الاتفاق ليس القادة الذين صنعوه بل من أجهضوا تطبيقه

عودة بشارات

Oct 09, 2018

لدى إسرائيليون وفلسطينيون كثيرون فإن مهاجمة اتفاق أوسلو تحول إلى رياضة جماهيرية، الضوء الخافت الذي اشتعل في الظلمة في أيلول/سبتمبر في 1993 كل عواصف العالم اتحدت من أجل إخماده.
قبل الاتفاق وكذلك بعده أجرى المتطرفون في إسرائيل «مراسم تشييع» لإولئك الذين تجرأوا على التوقيع على الاتفاق، كذلك حماس والمتطرفون الفلسطينيون وقفوا ضده. ياسر عرفات اتهم بالخيانة. في إسرائيل المتطرفون اغتالوا رمز أوسلو إسحاق رابين والمتطرفون الفلسطينيون نفذوا عمليات في كل مرة كان الطرفان يصلان فيها إلى تفاهمات في ما بينهم.
وبعد ذلك يتهمون أوسلو بكل الأخطاء التي نفذها المتطرفون في كلا الطرفين. هل اتفاق أوسلو هو الذي سلّح يجئآل عامير بمسدس من أجل اغتيال مهندس أوسلو الاسرائيلي رابين؟ هل اتفاق أوسلو هو الذي سلّح الانتحاريون بأحزمة ناسفة من أجل تنفيذ عمليات ضد مواطنين اسرائيليين؟ «أخذوا طعامه والملابس والبيارق، ورموه في زنزانة الموتى ،وقالوا : أنت سارق « كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش في ظروفٍ أخرى ولكن كتلك الشبيهة بوضع اتفاق أوسلو، ولكن بعد أن قاموا بتصفية الاتفاق، يقفون حول الجثة، ويطلقون النار عليها ويصرخون: لماذا لم تجلب السلام؟
حقاً. يجب سؤال معارضي أوسلو: هل تركتم قطعة في جثة أوسلو لم تصيبوها.
يا اتفاق أوسلو المسكين: ماذا فعلوا بك، الأنذال والتطهريون معاً؟ الذين يضربون في أوسلو من اليسار يصرخون أن رابين لم يذهب بعيداً بما فيه الكفاية وكأن مجال النقاش العام في اسرائيل حينئذ كان ما بين آراء جدعون ليفي وآراء عميرة هس. لقد نسوا أنه فقط لدى اعتراف رابين بمنظمة التحرير تم عرضه كخائن. حتى إيهود باراك والذي يقوم الآن بإلقاء الدروس عن تاريخ الفاشية عارض نقل مدن فلسطينية إلى سيادة السلطة الفلسطينية. باراك طلب من الفلسطينيين قبول كل ما يعطيه لهم سادتهم أو لا يعطونه. في النهاية كلنا حصلنا على بنيامين نتنياهو.
في المقابل، العديدون عملوا أبطالاً على عرفات، وكأنه بواسطة اتفاق أوسلو أفشل الانتفاضة الأولى. هؤلاء المحترمون نسوا أن الانتفاضة في أيامها الأخيرة تحولت إلى حرب بين مجموعات مسلحة. بدون قيادة موحدة ومع الكثير من اليأس في أوساط جماهير الفسطينيين. لقد نسوا التنكيل بالقيادة الفلسطينية من جانب «إخوتهم»، زعماء الدول العربية، والذين كل واحدٍ منهم وضع المصلحة الفلسطينية كمصلحة هامشية لنظامه. عرفات في حينه أُمر على يد رئيس سوريا حافظ الأسد بمغادرة دمشق خلال 8 ساعات.
أنا أكتب عن اتفاق أوسلو في ذكرى مرور 25 عاماً على التوقيع عليه ليس من أجل القول أنه الاتفاق الكامل: حيث أنه في هذه «الجبنة السويسرية» ـ وهي الصفة التي أعطاها باراك للإتفاق ـ مساحة الثقوب أكثر من مساحة الجبنة التي تربط بينها. ولكن اتفاق أوسلو عكس ميزان القوى في اسرائيل. اليمين حصل على تفوق تقريباً في كل الحملات الانتخابية وفي النافذة الزمنية لـ 1992 ومع فوز رابين في الانتخابات حاول أن يحدث، في واقع صعب جداً، تغييراً جوهرياً في العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، وفي المقام الأول بالاعتراف بالقيادة الوطنية للشعب الفلسطيني.
اتفاق أوسلو كسر العديد من المسلمات لـ «مجرمي أوسلو» ـ النية هنا ليست لمؤيدي الاتفاق لا سمح الله، بل لإولئك الذين قتلوه بالأكاذيب وبالتحريض الوحشي ـ لقد كان كابوساً لأن الاتفاق كان وما زال ومضة الأمل الوحيدة في المئة سنة من الصراع. هذه الومضة ولدت موجة ضخمة من الأمل والتفاؤل، والذي أغرق كل العالم وليس فقط المنطقة، هذا ما قرر المتطرفون دفنه عميقاً داخل التراب. لهذا مَن يتوجب عليهم دفع الثمن على فشل أوسلو ليسوا قادة أوسلو بل من دمروا أوسلو.

هآرتس 8/10/2018

عن فشل أوسلو
مَن يتوجب عليهم دفع الثمن على فشل الاتفاق ليس القادة الذين صنعوه بل من أجهضوا تطبيقه
عودة بشارات
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left