رحيل المغربي عبد الباسط بندحمان… تشكيلي يمسرح الواقع بقلق

خليفة الدرعي

Oct 09, 2018

■ برحيل عبد الباسط بندحمان، تفقد الساحة العربية واحدا من أبرز التشكيليين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بالتعليم الفني، والذين أسهموا في تكوين جيل من التشكيليين الطليعيين ونفخوا روح التحديث والتجديد في التجربة الفنية المغربية والعربية.
أجج بندحمان أسئلة منبثقة من تشظي الذات وقلقها، أسئلة تأزم الفعل الإبداعي وترمي به في مناطق وجغرافيات لا تحتفي بالهويات المتآكلة، بقدر ما تنتج أسئلتها الخاصة التي تفكك وتفجر النسق التشكيلي، منفلتة برؤيتها إلى طرق ومسالك جديدة، تعيد تشكيل العلاقة بين الذات ومتخيلها.. جاعلة مفهوم الهوية مشروعا منفتحا على الحفر والنقد وإعادة البناء، وليس معطى جاهزا ومطلقا نحتفي به كما نحتفي بالأيقونات المقدسة.
ولد بندحمان في مدينة طنجة سنة 1952، هذا الفضاء المتوسطي الذي سحر لب المقيمين والعابرين فذابوا في متخيله الأثير، وساحوا في حكاياته وممراته، باحثين عن ألق اللحظة وفتنة المكان، ويكفي أن نذكر منهم مثلا، محمد شكري.. جان جنيه.. سعدي يوسف وغيرهم من الذين حاولوا أن يفتضوا أسرار المدينة، لكنهم دخلوا ولم يخرجوا.. فأقاموا بشغف في النص والمعنى وأنتجوا نصوصا صارت من التراث العالمي، الذي يتجدد في حكايات طنجة ولياليها الساحرة.. درس الراحل في مدرسة الفنون التطبيقية في الدار البيضاء ثم في «المركز التربوي الجهوي» شعبة الفنون التشكيلية وكان معرضه الأول سنة 1972 .
إيمانه بالتعليم الفني ودوره الأساسي في تربية وتكوين أجيال تتذوق الفن وتنتجه سيجعله يقوم بالتدريس في مدينته الأم سنة 1973 إلى جانب تسيير قاعة lineart حيث يتواجد مرسمه الفني. يصنف بعض النقاد بندحمان ضمن «التشخيصيين الجدد» وهو حكم نقدي خاطئ لا يحتكم للسياقات الجمالية والفنية المتضمنة في تجربته الفنية الغنية والمعاصرة، المبتعدة بقوة عن فعلي التشخيص والمحاكاة الفلكلورية كأحكام استشراقية وكولونيالية أساءت لجانب مهم من التجربة الفنية المغربية والعربية. ورغم الدقة التقنية وحضور بعض علامات التراث من زخارف أو مقرنصات يحضر الاشتغال التشكيلي الحر المبدع والخلاق في تجربة بندحمان، التي تعيد مسرحة المشاهد التاريخية وتركيبها، وفق رؤية تشكيلية خاصة لا تعيد إنتاج عناصر الواقع، بقدر ما تقدمه في تراكيب جديدة تصدم عين المشاهد وتشركه في عملية الحفر والتساؤل.. تجربة تعتمد «مزج الأنماط» كمفهوم أساسي في الفن المعاصر، ويظهر ذلك في التقاطع الواضح بين الأشكال والتيمات: الحضور/الغياب..الواقع/الحلم..الظل /الضوء.
ينتج بندحمان زمنه التشكيلي الخاص، مفككا كل الصلات الزمنية والمكانية.. منفلتا من فخ الإحالة أو المرجعية.. لوحاته لا تنتمي إلا لقلقه الذاتي الخاص الذي يأزم أكثر مما يشرح أو يوضح. تتأرجح ألوان التجربة التشكيلية للفنان بين الأسود والبني مع إقلال واضح في التلوين على عكس المدرسة التشخيصية، فألوانه تستعمل برهافة حس عال لا يخدم إلا الموضوع التشكيلي.
أقام الراحل معارضه الأخيرة في القاعة البيضاوية المعروفة venise cadre وعرض قبلها في عدد من العواصم العربية والدولية في كل من إسبانيا.. باريس.. دمشق.. الإسكندرية.. طنجة.. مراكش والدار البيضاء وغيرها.
بعيون شاخصة تطل علينا كائنات بندحمان الغارقة في ما يشبه ضبابا باردا وبسحنات حزينة يلفها الصمت والحيرة بعد رحيل مبدعها الذي ذابت روحه القلقة في اللون واحترقت، عل الأمل يزهر في سديم الأوقات.

٭ كاتب مغربي

رحيل المغربي عبد الباسط بندحمان… تشكيلي يمسرح الواقع بقلق

خليفة الدرعي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left