الشاعرة المغربية صباح الدبي… الشعر قلق دائم

Oct 09, 2018

الخرطوم ـ «القدس العربي» ـ منى حسن: ترى الشاعرة المغربية صباح الدبي أن الشِّعر في جوهره تكثيف للقول، وترميز عال مفتوح على المُمكن والمُحتمَل، وما الشَّكل الشِّعري سوى تبدٍّ من تبدِّياته! والدبي شاعرة لها بصمتها في الساحة الأدبية المغربية والعربية، صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية «رحيل قرمزي»، «حين يهب الماء»، و«سِدرة الضوء»، ونالت عدة جوائز خلال مسيرتها الأدبية .. في هذا الحوار نستعرض آراءها في بعض قضايا الشعر والمشهد الشعري المغربي.

■ متى يكون الشاعر مخلصا للشعر؟
□ الإخلاص للشعر إخلاص للذَّات في بحثها المحموم عن أناها، في توقِها لاكتشاف جواهر الأشياء والأسماء، وهي تتأمل وجودَها في هذا العالم، وتنخرطُ في قلق أسئلته التي تُثير فيها غِواية الكشف اللامتناهية، الشعر قلق دائم، وسفرٌ جوانِي خالص تقبضُ من خلاله الذَّوات على كينونتها، وتمتحُ من معين المجاز ما تُعيد به خلق عالمها المُتخيَّل، والإخلاص له يكون متى راهن الشاعر على جودة القول، وعلى شعريته العالية التي تليقُ بمقام الشعر، وبمقام الاعتكاف في مِحرابه، ومتى ما منحَه من صِدق الإحساس، وعُمق الرؤية، ومُلازَمة القِراءة، وطول المِراس ما يجعل منه شعراً حقّاً يُضيء عتمات الداخل، ويُوقِد أنوار الجمال.
■ في قصيدة النثر حيث تُطوع اللغة وتكثف، وتختزل، هل يتسع هذا الضيق لكل ما يجيش بصدر الشاعر من انفعالات؟
□ الشِّعر في جوهره تكثيف للقول، وترميز عال مفتوح على المُمكن والمُحتمَل، وما الشَّكل الشِّعري سوى تبدٍّ من تبدِّياته، وسواء تعلَّق الأمر بقصيدة النثر أم بغيرها، فإن الشعر مدعوُّ إلى تركيز حشد الانفعالات في التِماعات الصور، وفي ما تقتنصه فِخاخُها التي يُذكيها الخيال من مشاهد شعرية مُبتكَرة تُثري الكتابة، وتُحفِّز عملية التَّلقِّي على السفر القرائي بكلِّ ما أوتِي من طاقة للتأويل، وإذا كان هذا التكثيف أكثر حضوراً في قصيدة النثر، فهذا يُعلِي من حجم المسؤولية في كتابتها بما لا يدَعُها مطيةً سهلةً، وبما يجعلها أكثر حاجة لاحتواء انفعالات الشاعر ودفقه الشعوري، ولتلمُّس أسباب الشِّعرية، أما عن مدى اتساع طبيعتها المُختَزَلة لما يجيش به صدر الشاعر، فأمر موكولٌ لقُدرتِها على تفعيل البُعد الإشاري المفتوح على احتواء المَقُول وغير المَقُول، ممَّا يعتمِل في أقاصِي الذَّات الشاعرة. وإن كان القول الشِّعري في جوهره عصيًّا لا تكفيه قصيدة أو ديوان أو شكلٌ شعريٌّ مُحدَّد، إذ يظلُّ في نفس الشَّاعر دوماً ما لم تستطِع القصيدة بلوغه، فيسعى مرَّة أخرى إلى السَّفر الشِّعري الجديد إليه، وإلى القصيدة التي لم تُقَلْ بعد.
■ كيف يبني الشاعر المغربي المعاصر متخيله الشعري، وكيف تتجلى هويته من خلال هذا المتخيل؟
□ يتبينُ المُتخيَّل الشعري عند الشاعر المغربي المُعاصِر في سَمتِه المُركَّب والمتنوِّع النَّاهِل من كلِّ المشارب، ويتكشَّف من خلال طبيعة الحساسية الجديدة المُشكِّلة لتنويعاته الدَّلالية والفنية والجمالية، ومن ثمَّ يمكن الحديث عن مُتخيَّلات مُتعدِّدة تتحدَّد من خلالها خصوصية التجربة وهويتها الشعرية، إذ نكاد نقف عند هذه السِّمة الفردانية لتشكيل المُتخيَّل التي يتحول بموجِبها النَّص الشعري إلى اشتغالٍ شخصِي خاص تتلبَّس فيه اللغة بالذَّات الشاعرة، وتُصبِح صوتَها المُتفرِّد الذي يُرَى العالم ويُسمَع من خلاله، هذه الشَّخصنة هي التي تمنحه هويته وإن كانت التَّجارب تلتقِي وتتقاطَع وتتجاور وتتجاوزُ أحيانا، ومن ثمَّ أمكن الحديث عن هذه الهوية المُتفرِّدة من قلب هذا التَّعدُّد الذي يمتح من الهم اليومي، ومن تفاصيل الهامِشي والشخصِي، ومن الحُلمِي والإشراقي، إذ يُعاود هذا التَّعدُّد وجودَه في كلِّ انبناء شعري جديد بسمتٍ مُغايِر لا يُشابه غيره، وإن كان الاعتكاف على الذَّات بعيدا عن ضجيج السياسي والأيديولوجي قاسما مُشتركاً بين هذه المُتخيَّلات.
■ كيف تصفين التفاعل بين مرجعياتك التراثية والثقافية في ما تكتبين؟
□ لا تولد النصوص من فراغ، وإنما تُعاوِد نشوءها في خَلقٍ جدِيد تمنحه حرارة التجربة وخصوصيتها، ورؤية الذَّات لنفسها وللعالم، هذا التَّفاعل النَّصي الذي تقتضيه الطبيعة الدينامية للنص الشعري، وحواريتها المُعلَنة والخفية، على حدِّ تعبير باختين، يمنح النَّص حياةً أخرى ليست مثل حيواتِه السَّابقة، وهذا سرُّ الاختلاف في انبناء النُّصوص رغم امتياحِها من مرجعيات مُشابهة، إن الشَّاعر يترُك نَفْسَه ونفَسَهُ في النَّص، ويؤثِّثه بحبر رُوحه الجواني وهو المُتعلِّق بما رفدَه من مرجعياته الدينية والأسطورية والتراثية والأدبية، ومن ثمَّ يمكن القول إن هذه المرجعيات تتخلَّق في كلِّ كتابة أو قراءة جديدتين، وهي مُعدَّة للتحوُّل – رغم ثباتها- داخل النَّص الشِّعري، لذلك فالتفاعل أو التداخل بين مرجعياتي في الاشتغال، منذور لهذا الانصهار المُتجدِّد الذي قد يختلف من قصيدة لأخرى في الديوان نفسه أحيانا، وأعتقد أن في ذلك حياة النَّص المُتجدِّدة التي تعِد بها دينامية التخييل، تلك التي تُحاور وتُسائل، وتُعيد الخلق في كل انكتاب شعري، تماماً كما في ذلك مُتعة النَّص التي تمنحُ الدَّهشة، وهي تخلُقُ من المرجعي الإحالي كوناً تخييليا آخرَ لا يُشبه إلا صاحبه، ومنذورا للحركة المُستمِرة التي تَعِدُ بالمُحتَمل في كل حالة تأويل جديدة.
■ كيف تعرّفين العلاقة بين الشكل الشعري والبناء الداخلي للنص؟
□ هي علاقة تماهٍ وتساكُن إذ لا انفصال بين جوهريهما، وهو ينقُل النَّص من وجوده في الأقاصي المُعتِمة للذَّات الشَّاعرة، إلى وُجوده النَّصي الذي تتحوَّل بموجبه اللغة إلى ذاتٍ مُضاعَفة، تنبضُ بالنّص وفيه في الآن نفسه، فالنص كلٌّ لا يتجزّأ، يتعالق فيه الجواني والبرَّاني، ويستدعِي فيه البناء الداخلي لبوسه الخارِجي بما تقتضيه طبيعة التجربة، ومن ثمَّ لا يكون الشكل الشعري اختياراً نمطياً تستجيبُ مقاساتُه لكل النصوص، ولا ترفاً زائداً منفصلاً عن حرارة التجربة، وإنما هو ما تستدعيه التجربة وتنسكب من خلاله.
■ في ظل انحسار جمهور الشعر، وتكاثر الشعراء كماً لا كيفاً، على ماذا تراهن قصيدتك؟
□ تُراهِن على عُمقِها الفنِّي والدَّلالِي، على أسئلتها المفتوحة على الممكن والمُحتَمل، على القلق الشِّعري الذي يُحِيل الشِّعر جذوةً من نور ونار، على توقها للكونِي والإنساني بما يضمن لها سرَّ البقاء، على الاحتفاء بشعرية الشعر وبما يليق بمقامِه العالِي من توقٍ دائم للكمال، على ما تكون به صوت الذَّات وسنَدَها، في جَبْر حُطام الداخل وفي خلقِ عوالم خلاصِها من فِتنة المجاز.
■ وماذا عن تأثير الجوائز في إثراء تجربة الشاعر وتطويرها؟
□ لكلِّ هذه المبادرات طابع تحفيزي، ودور إشعاعي تواصلي يتم من خلاله الاحتفاء بالشعر وبتجربة الشاعر، وبالمشهد الثقافي بشكل عام، ويحصل فيه هذا التلاقُح الفني والجمالي من خلال التعدُّدية المُفتَرضة للأصوات الشعرية، ومن خلال تفاعل الذائقة القرائية النقدية مع ما يُقدَّم من نصوص وتجارب، إلا أن الإثراء في حقيقته شأن ذاتي بالدرجة الأولى، يبدأ من رِهان الشاعر على الكَمال المحلوم به وإن مُستعصيّاَ.
■ ما هي أبرز المعوقات التي تواجهك كمبدعة؟
□ نكتُب ونمرُّ مُرور الكِرام على ما يُعِيق! الكتابة في جوهرها تَحدٍّ للمُعيقات أينما كانت وحيثُما وُجِدت، ولا أنظر إليها نظرة جنسانية خالصة، بقدر ما أعتبر أنها تُواجه المُبدع وهو مدعوٌّ لمواجهتها من خلال العطاء المُتواصل، ومن خلال تجديد دم الكتابة، والإصرار على الحضور الحقيقي الذي يتركُ أثره وإن طال به الأمد.

الشاعرة المغربية صباح الدبي… الشعر قلق دائم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left