في تاريخ الصراع الإمبريالي والمسألة الشرقية

د.أحمد سالم سالم

Oct 09, 2018

يرى المستشرق هنري لورنس أن 1697، عام ظهور أول موسوعة إسلامية فعلية متمثلة في عمل هرلبو «المكتبة الشرقية»، هو العام نفسه الذي بدأ فيه اختلال التوزان الهش بين أوروبا والدولة العثمانية، أي أن الظروف بدأت تتغير في المجالات الفكرية، كما في المجالات السياسية؛ فالانحدار العثماني تزامن مع تطور العلوم الإنسانية، التي تضمنت فكرة دراسة الشرق وكل ما يتصل به.
وعليه نجد أن الدولة العثمانية من المنظور الغربي بوجه عام كانت إبان قرون العصر الحديث هي الممثل للشرق أو لحضارة الإسلام، المهيمن الرئيس على ذلك الشرق، وأن تراجعها كان يعني بالنسبة للأوروبي تراجع المشرق الإسلامي، الذي ظل في سجال مع الغرب طوال القرون الوسطى؛ لذا ارتبطت الدولة العثمانية في ذلك المنظور بما يسمى بـ»المسألة الشرقية»، التي اتفق الجميع على أن نهايتها كانت مع نهاية العثمانية كدولة، لكنهم اختلفوا على زمن بدايتها الحقيقي؛ فكما يقول مصطفى كامل في كتابه «المسألة الشرقية»: «اتفق الكتاب والسياسيون على أن المسألة الشرقية هي مسألة النزاع القائم بين بعض دول أوروبا والدولة العليَّة، بشأن البلاد الواقعة تحت سلطانها.
وقال كُتاب آخرون من الشرق ومن الغرب بأن المسألة الشرقية هي مسألة النزاع المستمر بين النصرانية والإسلام، أي مسألة حروب صليبية متقطعة بين الدولة القائمة بأمر الإسلام ودول المسيحية». بمعنى أن هذا الصراع ضارب بجذوره إلى زمن الإسلام الأول، عندما اصطدمت فتوحاته بالقوى المسيحية وانتزع منها الهيمنة على الشرق الأدنى، واستمر حتى ورثت الدولة العثمانية هذا الدور. وهنا يأتي السؤال: لماذا انتهت المسألة الشرقية في نظر الغرب بانتهاء هذه الدولة تحديدًا، رغم عدم انتهاء الإسلام أو المسلمين الذين كانت تمثلهم؟
بالنظر لكتابات المفكرين والساسة الأوروبيين منذ التاريخ الذي ذكره هنري لورنس على أنه بداية اختلال توازن القوى لصالح الغرب، نجد أنها تتمحور في المجمل حول انهيار الحكم العثماني في الشرق الأدنى، وتوجه القوى الأوروبية للسيطرة على قلب هذا الشرق، كنواة للسيطرة على العالم القديم. وقد بدأت الدراسات الاستشراقية تهتم بهذا الأمر وترصده بشكل رصين، وظهرت أعمال كثيرة طوال القرن الثامن عشر ترصد وتقدم حلولاً من منطلق علمي، يختلف تمامًا عن الكتابات التي ظهرت في ظل التفوق العثماني، والتي كان يغلب عليها الطابع الأيديولوجي المعادي.
بالطبع كان الاستشراق عمومًا يتأثر تأثرًا مباشرًا بالسياق العام للعلاقات بين الشرق والغرب، فمهما بلغت درجة تجرد المستشرق من الظرف السياسي والعامل الأيديولوجي فلن يكون موقفه واحدًا عندما يهدد الأتراك قلب أوروبا، وعلى العكس عندما يرجح ميزان القوى الأوروبي.
نجد – على سبيل المثال – الكونت الفرنسي دو مارسيلي أن كتاب «الحالة العسكرية للإمبراطورية العثمانية، تقدمها وانحطاطها»، عام 1732، ما هو إلا تقرير عن الانحطاط العسكري الذي لحق بالأتراك، يدعو من خلاله الدول الأوروبية إلى الاتحاد من أجل اقتسام دولتهم التي تمضي إلى الهلاك. ولم يقتصر الأمر على الكتابة، بل بدأت كذلك موجة من الرحلات إلى بلدان الشرق الخاضعة للحكم العثماني من قبل الرحالة والعلماء، انطلق الكثير منها برعاية من حكومات القوى الأوروبية، بغية التوغل والإدراك الكامل لبنية الأقاليم العثمانية.
الحقيقة أن الدولة العثمانية مع تعددها العرقي الكبير تمسكت دائما بالشق الديني الذي مكنها من الوقوف أحيانا كثيرة أمام محاولات التدخل الأوروبي في الأراضي الإسلامية، ما جعلها حتى في عز ضعفها ملاذًا ومرجعًا للمسلمين من شتى أصقاع الأرض، أي أنها كانت عاملاً للوحدة التي تصعب معها التجزئة، ذلك الهدف الرئيس لقوى الغرب. وقد أشار المؤرخون الغربيون أنفسهم إلى أن الهيمنة العثمانية على الشرق الأدنى وشرق أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وقفت أمام التوسع الأوروبي في المشرق، فتوجه على إثر ذلك ناحية الغرب عبر استعمار الأمريكتين، وحتى مَن اتجه بجهوده الاستعمارية صوب الشرق مثلما فعلت البرتغال، وجد مقاومة شعواء من العثمانيين انهار على إثرها نفوذه في البحار الشرقية والهند وجنوب الجزيرة العربية خلال عقود قليلة.
وبدلاً من أن تتركز قوى توسع البلدان الأوروبية في الصراع من أجل السيطرة على البحر المتوسط – الذي ركز عليه العثمانيون – تحولت صوب ذلك العالم الجديد. لكن عندما بدأت القبضة العثمانية في التراخي إبان القرن الثامن عشر، اجتذبت الاهتمام الأوروبي بتلك الأقاليم من جديد، فضعف على إثر ذلك تركيز الثقل الأوروبي في المستعمرات الأمريكية، وهو ما قاد إلى استقلال الولايات المتحدة في الربع الأخير من ذلك القرن، ثم اضمحلال النفوذ الأوروبي بوجه عام في تلك المناطق البعيدة عن أوروبا، فلم يكن هناك خيار إلا انتقال مركز ذلك الثقل من هناك إلى حيث المناطق التقليدية، بؤرة الصراع القديم.
من هنا شهد الربع الأخير من القرن الثامن عشر بداية عودة التوسع الأوروبي إلى آسيا وإفريقيا، فكان الإنكليز أول من حَوَّل توسعهم عن العالم الجديد، ومنذ عام 1783 بدأوا في إعادة بناء إمبراطوريتهم الاستعمارية حول الهند. وعندما قامت الثورة الفرنسية عام 1789 اتجهت أنظار الحكومة الجديدة نحو الشرق، فكانت بذلك فرنسا هي أولى القوى الإمبريالية الحديثة تنفيذًا لاختراق أقاليم العالم العثماني واقتطاعها والهيمنة عليها، كخطوة لتكوين إمبراطورية فرنسية على أرض المشرق، وهو ما تمثل في الحملة الفرنسية على مصر بين عام (1798-1801)، التي أعادت الشرق الأدنى إلى واجهة الصراع الإمبريالي من جديد.
تركت الحملة الفرنسية أثرًا عميقًا في التاريخ الحديث كانت له تبعاته المتتالية رغم قصر مدتها، إذ لم تتوقف القوى الغربية منذ ذلك الوقت عن العمل بكل الطرق العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية لضرب النفوذ العثماني في مناطق سيطرته الحيوية، لكن لم يكن بمقدورهم خلال القرن التاسع عشر الإجهاز على الدولة نهائيًا، بسبب أنها ظلت مع ضعفها عاملاً حاسمًا من عوامل توازن القوى الأوروبي، فقد كان هناك عملاق في الشرق ينمو خلال أكثر من قرنين من الزمان، هو الدب الروسي، ما لبث أن وصل أواخر القرن الثامن عشر إلى السيطرة على معظم البحر الأسود وسواحله المتحكمة في التجارة والمواصلات بين السهوب الآسيوية وشرقي أوروبا.
وكان يسير نحو الإحلال محل العثمانيين في منطقة المضايق والأقاليم السلافية في أوروبا الشرقية، والدخول إلى المياه الدافئة للبحر المتوسط، ما جعل بريطانيا وفرنسا تعملان على المحافظة على الوجود الهيكلي للدولة العثمانية في هذه المنطقة، فوقفا بجانبها – على سبيل المثال – أمام روسيا في حرب القِرْم التي جرت في منتصف القرن التاسع عشر؛ ومن جهة أخرى عملت روسيا على عدم إتاحة الفرصة للعثمانيين لجني ثمار الإصلاح الذي بدأت تنتهجه الدولة، وظل الأمر على هذا النحو حتى ظهرت ألمانيا كقوة أوروبية وعامل جديد من عوامل توازن القوى بعد وحدتها عام 1870؛ وحين بدت في الأفق نهاية الدولة العثمانية في حربها الأخيرة مع روسيا بين عامي 1877- 1878.
كان آخر سلاطينها الفعليين عبد الحميد الثاني، قد ارتقى عرشها عام 1876، ليبدأ فصل من أهم فصول المسألة الشرقية وآخرها، عمل خلاله بحنكة منقطعة النظير على مدار أكثر من ثلاثين عامًا على الاستفادة من تعقيدات المشهد الدولي بين القوى الأوروبية المختلفة، فحاول استغلال الوجود الألماني للحد من التهديد البريطاني الفرنسي واستمالته في بعض الأحيان، ليُبقي من ناحية على الوجود الفعلي لدولته، ومن ناحية أخرى يحاول النهوض بقوتها، سواء من الداخل من خلال الارتقاء بوسائل التقدم، أو من الخارج من خلال إقامة تكتل إسلامي عالمي تكون الدولة على رأسه، فوجدت القوى الغربية نفسها من جديد أمام خطر داهم ينذر ليس فقط ببقاء الدولة، بل كذلك منافستها من خلال تزعمها العالم الإسلامي، إلا أن الأمر انتهى بعد سجالات طويلة بخلع السلطان عبد الحميد عام 1909، لتجهز الدولة بعد ذلك بنفسها على نفسها في سنوات قلائل، وينتهي ما يسمى بالمسألة الشرقية بانتهاء الحرب العظمى وتقسيم الأراضي العثمانية واحتلالها بعد ما يقرب من خمسمئة عام من الصراع.

كاتب وباحث مصري

في تاريخ الصراع الإمبريالي والمسألة الشرقية

د.أحمد سالم سالم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left