بطريرك ماركيز في حضرة المحروسة

عبير ياسين

Oct 09, 2018

في رواية “خريف البطريرك 1975″ للكاتب الكولومبي المعروف، غابرييل غارسيا ماركيز، إشارة إلى معاناة “بندثيون الفارادو”، والدة البطريرك، من الشخصيات التي كانت تحيط بالسلطة، وتتنافس على سلب مقاعد القيادة العليا، ومن المواقف التي تمت الإشارة إليها، جهودها من أجل إقناعهم أن أواني المرمر “ليست أسطلا صحية وإنما هي أوان أثرية، وجدت في مياه بانتلاريا”، ولكنها فشلت في مواجهتهم وهم “يصرون على أنها مراحيض أغنياء.. وما من قدرة إنسانية استطاعت إقناعهم بعكس ذلك”.
مشهد يستحضر الكثير حول ما يبدو أحيانا وكأنه انتقام من تاريخ سابق، لم يساهم من يجلس على الكرسي في كتابته، ولا يستطيع كتابة مثله، وسيلة سهلة للشهرة واستحضار المال أحيانا، أو مجرد عدم إدراك للقيمة التي يمثلها الأثر والحدث في أحيان أخرى، ولكنها بالمجمل غياب وتغييب متعمد لقيمة التاريخ عن اللحظة التي تجعل الدولة، أو مصر في تلك الحالة، مجرد دولة حديثة ومجرد “أشباه دول”، وكورنيش الإسكندرية مجرد جدار يتم هدمه من أجل بعض الأموال العابرة في تاريخ الأمم، عندما يحل موقف للسيارات أو ناد أو مطعم مكان تاريخ وحضارة وثقافة وروح مكان، لا تستعاد ولا تقام بالأموال. يتم بوضوح تجاوز حقيقة أن الحضارة قادرة على استحضار الأموال وليس العكس، وأن حماية الحضارة ومعالمها مصدر مهم من مصادر الثروة بكل المعاني المادية والمعنوية، بالطبع إن أحسنت إدارتها، ولم يتم التعامل معها بوصفها مجرد “مراحيض أغنياء”، أو وسيلة تنفس للفقراء، كما يرى البعض في حالة كورنيش الإسكندرية وقلعة قايتباي وغيرها، لا تستحق الحماية أو البقاء.
تختلف وتقترب التشبيهات، ولكن عندما يضاف إلى التفاصيل المتراكمة أخبار عن إقامة حفل عشاء وعقد قران في معبد الكرنك الأثري، مع تصريح وزارة الآثار بإقامة الحفل، ومطالبة الجهات المعنية باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية من أجل إقامته، يعود حديث ماركيز إلى الواجهة، ومعه سؤال الأثر في مواجهة الثمن، والمسافة الفاصلة بينهما والمسؤول عن تقليصها. 
كما هو الوضع في الحالات المشابهة، وبعد الغضب والاعتراضات التالية للحدث المفاجئ، تم الحديث عن موافقة الوزارة على إقامة حفل العشاء من دون عقد القران، مع الإعلان عن التحقيق في الأمر والمحاسبة. ولكن الإعلان عن التحقيق جاء خاليا من معناه، وسط تصريحات أخرى تربط الحدث بكل الحديث المتكرر عن البعد الاقتصادي، بوصفه بوابة مشرعة من أجل تبرير كل التجاوزات في حق الوطن والمواطن، وتأكيد أن الوزارة تعتبر “مثل هذه الحفلات تنمية لمواردها، التي تأثرت مع تراجع حركة السياحة” كما جاء في تصريحات مصدر من منطقة آثار الأقصر، في حين انتهى عضو البرلمان عن محافظة الأقصر، إلى التنديد والمطالبة بأن تخصص مناطق للحفلات في محيط المعابد وليس في داخلها ووسط الآثار كما حدث في معبد الكرنك. 
تبدو رواية ماركيز بوصفها طريقة من طرق التفسير، في مواجهة فشل المنطق العقلاني والرشيد في تفسير تلك التبريرات العبثية، لتصرفات أكثر عبثية تمس قيمة التاريخ والجغرافيا في اللحظة والمستقبل، بدون رادع أو قبول لرؤى مغايرة، واستخدام الحدث الأكثر سوءا من أجل تبرير واقع سيئ، بوصفه منطقة وسط. وبهذا يتم تقديم الاعتراضات بوصفها اعتراضات على إقامة الحفل داخل المعبد، ويصبح علينا القبول بإقامة الحفلات في ما يسمى محيط المعابد، التي تظل بدورها مساحة فضفاضة قابلة للزيادة والنقصان، ومن شأن ثغرات القوانين والتنفيذ، وغياب المحاسبة، وغيرها الكثير من القواعد القائمة في الممارسة لمن يملك السلطة والمال، أن تقدم صورة واضحة عن ما يمكن أن ينتج من حدث يتحول إلى خطوة لتقنين أوضاع يفترض ألا تقنن.
يأتي حدث معبد الكرنك صادما، ولكنه في الوقت نفسه منطقي في سياق كل الأحداث المصرية التي قادت إليه، ولهذا السبب نفسه يبدو مخيفا في ظل كل الأحداث التي سبقته والتطورات التي يمكن أن تتبعه إن مر كما مر غيره، أو تم تمريره، كما يتم تمرير غيره بكل المصطلحات الكبرى التي تغيب عن الواقع. يتم مرة أخرى تجاوز الفصل المفترض الحفاظ عليه بين ما هو قيمة وما هو سلعة، والدولة المنظم والحامي مقابل الدولة التاجر، يأتي الحديث مؤكدا على تجاوز القيمة من أجل فكرة التسليع والقابلية للبيع، وترسيخ فكرة الدولة، بوصفها تاجرا - بعيدا عن تقييم نجاحها في إدارة تلك التجارة، والاعتماد على القروض والاستهانة بما هو قيم وأصول- بدلا من كونها دولة حافظٍ ومنظم ومقدم للخدمات العامة، التي لا يقدمها غيرها، ودولة محتكر للقوة، وقائم على تخصيص الموارد برشادة. تخرج التصريحات في مواجهة الغضب شبيهه بتلك التي صدرت على هامش المطالبة بالدفع بديلا عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، أو بيع الجنسية، أو الجزر من تيران وصنافير إلى الوراق، وغيرها من القضايا التي تمتد إلى الإسكندرية ونهر النيل، ولا تتوقف عند نقطة واحدة. هو تدفق في تسليع قيمة الوطن، وما يملكه الوطن من تاريخ وحضارة، وتفاصيل روح لا يمكن أن يعوضها مطعم على كورنيش إسكندرية وعقد قران في معبد أثري.
يبدو الإفلاس واضحا في تصريحات مدير عام معبد الكرنك، الذي اعترض على الغضب والانتقادات، واعتبر أن “الحفل حصل على التصريح اللازم، وكان عبارة عن احتفالية عقد قران لعروسين.. وليس حفل زفاف”؟ ندرك أهمية التفاصيل لدى من يجلس على الكرسي، وكيف يختلف الأمر من حديث عن عقد قران أو إقامة حفل عقد قران، ولكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد، لأن المسؤول يقرر أن له دورا تعليميا أيضا، وأنه يملك الحق في تغيير المفاهيم، كما يتناسب مع احتياجات الأرقام في اللحظة الزمنية المعينة، وأن الأواني ليست إلا مراحيض للأغنياء ولكن بطريقة أخرى.
وفي هذا السياق، وبعد أن قلل مدير عام معبد الكرنك من الاعتراضات، لأن ما أقيم مجرد عقد قران، أكد أنه لا توجد مشكلة، إن كان ما أقيم حفلا، قائلا في تصريحاته المنشورة: “ما المانع من إقامة مثل هذه الحفلات.. فمعبد الأقصر تم إنشاؤه في الأساس لكي يكون مقرا لاحتفالات عيد الأوبت، وهو عيد تجديد شهر العسل بين الإله آمون والنسخة الأنثوية منه الإلهة أمونيت، وبالتالي كان يتم الاحتفال داخل المعبد بذكريات الزواج”.
وبعيدا عن الرواية التاريخية، يظل السؤال مطروحا عما يجعل الأثر أثرا، وكيف يكتسب القيمة من الزمن والحضارة التي ارتبط بها، وليس في الاستمرار في استخدامه في ما أسس من أجله؟ ويظل السؤال مطروحا، هل يفترض وفقا للقياس نفسه أن نعود إلى استخدام الأهرامات بوصفها مقابر، وأدوات الملوك التي دفنت معهم بوصفها مجرد أدوات منزلية توضع في الحفلات التي تقام في المعابد أو في حفلات العزاء والدفن التي تقام في الأهرامات؟ وهل إعادة الاستخدام تلك هي المتعارف عليها حقا في عالم الآثار؟ وأين كانت مصر كل تلك العقود وهي تعيش خلف الزمن وتتصور أن الآثار تعني القيمة والحضارة، والحفاظ والحماية، والاهتمام والرعاية، والزيارة بوصفها قيمة أكبر من حفل عشاء؟
في رواية ماركيز، كان وصف البطريرك من قبل الجماهير التي دخلت إلى القصر مرتبكا، بحكم محاولة إخفاء حقيقته، واستخدام حالة الغموض في بناء هالة السلطة، وبهذا استعاد من دخل إلى القصر الصورة التي كانت ترسم له بوصفه “رجلا آتيا من عزلة الصحارى، حسب ما كانت توحي به شراهته للسلطة وطبيعة حكمه وقسوة قلبه المتناهية، التي دفعته إلى بيع بحرنا لقوة أجنبية، حاكما علينا بالعيش أمام سهل بلا أفق يغطيه غبار قمري خشن، ويصيبنا كل غسق فيه بجراح تسكن الروح”. وإن كنا اعتدنا على ترديد عبارات البكاء على الماضي وافتقاده لأنه كان أجمل، وهي قضية فلسفية بدورها، فإن الماضي الذي علينا تذكره الآن والشعور معه بتلك الجراح التي تسكن الروح، شديد الحداثة، وربما نفتقد في الغد أشياء كانت لدينا بالأمس أو نراها اليوم قبل أن تتحول في لحظات بقرار سلطة إلى مجرد سلعة يمكن هدمها وبيعها وتحويلها إلى قاعة أفراح أو سرادق عزاء ممتد.
كاتبة مصرية

بطريرك ماركيز في حضرة المحروسة

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left