خاشقجي ضحية إرهاب الدولة وإرهاب المصلحة

توفيق رباحي

Oct 09, 2018

مأساة الصحافي السعودي جمال خاشقجي، كيفما كانت نهايتها، تقشعر لها الأبدان. ليس لأن الرجل كان في يوم ما مقربا من المؤسسة الحاكمة في بلاده ثم أصبح شيئا فشيئا خصمها. وليس لأنها الأولى من نوعها (لن تكون الأخيرة). بل بالنظر إلى «الجرأة» التي أحاطت بسيناريو اختفائه. وأيضا بالنظر إلى ما تحيل إليه من حجم وخطورة انتشار إرهاب الدولة عندما يكون الجاني ثريا، فوق الحساب وقادراً على شراء الذمم والدوس على القيم.
حالة خاشقجي هي الشجرة التي تخفي الغابة. لم تكن هذه «الجرأة» لتصبح أمراً واقعا لولا أن قيمة الإنسان العربي وسعره نزلا عند الغرب بعد أن نزلا في بلده وعند مَن يُفترض فيهم حمايته وترقيته.
بعد عدة أيام عن خبر اختفاء خاشقجي ومرور أكثر من 24 ساعة على الأنباء عن مقتله داخل قنصلية بلاده في اسطنبول، اكتفت الخارجية الأمريكية بالإعلان أنها «تتابع عن كثب الأنباء التي عن مقتل خاشقجي». ولاذت باريس ولندن وبرلين في صمت مطبق لكنه شديد الإحراج. كانت ردود الفعل التي سُجلت فردية ومبعثرة، رغم أن الضحية، خاشقجي، حالة مثالية للدفاع عنها لأنه يتوفر على كل المواصفات السياسية والثقافية التي تنشدها تلك العواصم وتدَّعي الدفاع عنها.
بالتأكيد كانت ردود الفعل ستختلف جوهريا لو أن المتهم كان عمر البشير أو بشار الأسد أو معمر القذافي، وليس ولي العهد السعودي محمد ابن سلمان. وكان الموقف سيختلف لو أن الدولة المعنية كانت من صنف الدول البائسة التي لا تنام على بحار من النفط والغاز ولا صناديق سيادية لديها. كما سيختلف الأمر تماما لو أن مسرح الجريمة كان مدينة من مدن الاتحاد الأوروبي أو أمريكا.
كيف وصلنا إلى هنا؟ يشبه الأمر التطور الطبيعي للأشياء عندما تتوفر الظروف والمسببات.
قبل عقدين من الزمن ـ وأكثر ـ لم تكن فكرة اختطاف مثقف عربي معتدل في سفارة/قنصلية بلاده تخطر حتى في أكثر الكوابيس شناعة. كان الأمر من ضروب الخيال عند طرفي المعادلة: الجاني والضحية. الأول لا يجرؤ على الفعل، والثاني لا يصدّق أن الفعل وارد. اليوم، كل شيء ممكن وأصبحنا أمام واقع مسلم به تقريبا.
في الماضي غير البعيد كانت الحكومات في الغرب تجتهد، بدرجات مختلفة، للحفاظ على الحد الأدنى من الحياء والاحترام لقوانين ومواثيق وضعتها هي. وكان ذلك يؤتي أُكله. وكانت المجتمعات المدنية حيّة ويقظة ومتناسقة تهتم بالآخر وتقف معه إلى أن ينال حقه أو يُرفع عنه الحيف. وكان ذلك أيضا يؤثر في سير الشأن العام محليا وحتى دوليا. وكانت الصحافة شديدة التمسك بالقيم الإنسانية والأعراف الدولية وأخلاقيات العمل الإعلامي، فكانت مواقفها قادرة على صنع التغيير.
وهكذا وجدت المُثل الإنسانية وقيم التعايش نفسها مسلحة بأدوات الصمود وقادرة على منافسة المصالح المالية والاقتصادية. والأهم أن هذه القيم كانت محمية ومحاطة بالثقة والإعجاب من كل مكان.
لكن أشياء كثيرة حدثت في الطريق قضت على التفاصيل الصغيرة التي كانت بمثابة حصن أمام انتشار الفوضى والظلم.
هناك الإرهاب الذي زعم مروجوه ومنفذوه أنه يستهدف الغرب انتقاما لسياساته ومواقفه، فإذا به (الإرهاب) أضرَّ بالعرب والمسلمين أكثر من غيرهم. علاوة على أنهم كانوا على رأس قوائم ضحاياه في بلدانهم، طارد الإرهاب العرب والمسلمين في المهجر وفي المنافي فضايقتهم الظنون والشبهات ثم القوانين والإجراءات المتشددة في حياتهم وحياة أولادهم العامة والخاصة.
هناك كذلك الأزمات الاقتصادية التي ضربت الدول الغربية وجعلتها تنحني للطغاة وتبيع أثمن ما لديها (رصيد القيم والإنسانية) في سبيل صفقات تجارية لا تكاد تساوي شيئا بالأرقام. وقد فهم الطغاة في السعودية وغيرها اللعبة وأدركوا نقاط ضعف هذا الغرب المأزوم والجشع، فابتزوه إلى أبعد الحدود. وهكذا بدل أن تكون الديكتاتوريات هي الجبانة والضعيفة، والغرب في موقف قوة، أصبح العكس هو الصحيح.
حتى هيئات المجتمع المدني تبدو وكأنها تعبت هي الأخرى. ومثلها المنظمات الحقوقية الدولية كمنظمة العفو وهيومن رايتس ووتش وغيرهما. هاته كانت جهات لها صوت مسموع يهابها الحكام الديكتاتوريون والديمقراطيون على السواء. لكن حجم تأثيرها يتراجع ومساحة تدخلها تتقلص بعد أن تجاهلتها الديمقراطيات وتكالبت عليها الديكتاتوريات بما تملك من أجهزة دعائية لا يستهان بها.
لا يمكن فصل كل هذه التطورات عن تنامي اليمين الشعبوي في القارة الأوروبية وفي أمريكا. هذا التيار الجارف يتسع مستفيداً من تأثيرات موجات الهجرة واللجوء وتغيّر ملامح المجتمعات الغربية التقليدية. اليمين المتشدد في الغرب يجد نفسه قريبا من الحكام الديكتاتوريين في الشرق، منذ أربعين سنة. ألم يكن اليميني النمساوي الراحل يورغ هايدر مفتونا بصدام حسين؟ ألم يكن يكن معمر القذافي وعائلة جان ماري لوبان الفرنسية أصدقاء ثقاة؟ لذا لا غرابة أن يكون رئيس وزراء المجر اليوم معجبا ببشار الأسد. ولا من هذا التقارب العجيب بين الرئيس ترامب وعائلته مع ولي عهد السعودية، على الرغم من أن لا شيء يجمع الطرفين.
إنه زواج مصلحة أملته الظروف الجديدة التي بلا شك ستعيد إنتاج حالات خاشقجي جديدة من دون أن يرف لأحد جفن.

٭ كاتب صحافي جزائري

خاشقجي ضحية إرهاب الدولة وإرهاب المصلحة

توفيق رباحي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left