حول نموذج ثقافي عربي

إبراهيم عبد المجيد

Oct 09, 2018

تلقيت دعوة من الصديق وحيد عبد المجيد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لحضور لقاء حول « نحو نموذج ثقافي عربي جديد في عالم متحول، بالاشتراك مع مؤسسة الفكر العربي، يشمل ثلاث ندوات وافتتاحية.
الجهتان محل احترام وتقدير لمن يتابع أنشطتيهما، ورغم أن اللقاء بدأ في العاشرة صباحا وهو أمر صعب عليّ لسهري عادة طول الليل، إلا أنني ذهبت، فهناك عدد قليل من المتحدثين الرسميين، علي الدين هلال وعماد أبو غازي ومحمد صُفار ونبيل عبد الفتاح وسمير مرقص، وطبعا وحيد عبد المجيد مدير مركز الدراسات، وهنري العويط الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي.
كان الحضور منتقين فكلهم مشغولون بقضايا الثقافة والمجتمع منذ بدأوا الكتابة والظهور على اختلاف أعمارهم. وكان منهم من لم أره منذ وقت طويل فأحببت أن أراه. لم نكن كثيرا، لم نتجاوز العشرين بينهم شاكر عبد الحميد وسعيد المصري ونيفين مسعد وفريدة النقاش وأنور مغيث ومحمد بدوي وفؤاد السعيد وأحمد علي فرحات وآخرون، وكل من ذكرتهم من متحدثين أو مشاركين في النقاش أذكرهم دون ذكر مراكزهم التي يتولونها أو تولوها وولّت! رغم أهمية الحوار وحماسة المقدمين لدراساتهم إلا أن التشاؤم وضع خيمته فوقنا، مع معظم الأحاديث والتعليقات عليها. لن أعيد كلام كل شخص على حدة، لكن السمة العامة أنه يمكن أن يكون هناك تقدم على المستوي الثقافي، لكن هل يمكن أن يكون هناك نموذج للثقافة حقا؟ ليس لأن العالم متغير ومتعدد، لكن هل هناك سمة واحدة للعالم العربي مثلا. البحث عن نموذج ثقافي عربي ضرب من الخيال. الأهم ما يحيط الثقافة الآن من تحديات على رأسها التطور الرهيب في الثقافة الرقمية، وحصار الثقافة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي. ولما تكررت جملة أن التغير الثقافي لم يتم إلا في إطار حاضنة من النظام الحاكم، ازداد تشاؤمي وتشاؤم الكثيرين.
هناك من ضرب أمثلة بعصر محمد علي الذي بدأ في إرسال البعثات إلى الخارج. وهناك من رأى فشل كل محاولات التغير الثقافي في المئتي عام السابقة، فنحن نعود إلى الخلف أكثر مما نتقدم إلى الأمام. ورغم ذلك يمكن أن تكون هناك خيوط أو طرق نجاة في التعاون العربي، لإبراز أهم الكتب وأهم المفكرين وتوسيع الانشطة الثقافية ودعمها ماليا وإقامة قواعد رقمية للمنتج الثقافي والفني، وغير ذلك من الأفكار. كان هنك شبه إجماع على أن الشباب الآن سبقوا أجيالنا كثيرا، وتوفرت لهم عوالمهم الرقمية يستقون منها ثقافتهم أو يبثون فيها ثقافتهم التي تقريبا لا تتوافق مع ما عشناه وتسهل عليهم أمور الانتقاد. هذه حقيقة لكن المشكلة دائما في التعميم. فأنا واحد ممن لهم علاقة وطيدة بالعالم الرقمي، لكنني أجد أعدادا هائلة من الشباب تعيش في فكر ديني متخلف وغير مستعدة للتراجع عنه. لقد أصابتهم هذه اللعنة كما أصابت غيرهم منذ أكثر من أربعين سنة. يمكن أن تكتب تغريدة في السياسة أو الأدب فتجد من معك ومن يخالفك، لكن اذا كتبت تغريدة توافق فيها على المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة التي جرت في تونس، فنسبة المضادين لك هائلة جدا من الشباب قبل الكبار. أما إذا قلت رأيك في الشيخ محمد متولي الشعراوي مثلا، وكيف كان من أئمة التفسير الظاهري للقرآن، المعتمد على التفسير اللغوي، بدون النظر في أسباب النزول وطبيعة الحياة وقت النزول، فتجد الأكثرية من الشباب تنزه الرجل عن كل خطأ وتصمك بالخطيئة، وأقلها الجهل بقيمة الكبار. هذا لا يقلل من قيمة أحد لكن يوضح إلى أي مدى انتشر الفكر السلفي والأصولي بين قطاعات عريضة من كل الأجيال، وهذه هي المهمة الصعبة لأن ذلك لم يحدث وفق اختيارات طبيعية، لكنه حدث بتدخل من أنظمة الحكم في بعض البلاد الكبيرة، ومنها مصر، التي ساعدت عليه بكل قوتها منذ عصر السادات.
اللقاء حدث في إطار التمهيد إلى عقد قمة ثقافية عربية، كانت مؤسسة الفكر العربي قد دعت إليها عام 2009. قاومت النوم لعدم نومي في الليلة السابقة باحتساء القهوة أكثر من مرة، وكنت في حاجة حقيقية لأن أسمع. وفي نهاية اللقاء طرح وحيد عبد المجيد بعض الأسئلة لتكون الإجابة عليها شعارات أو مبادئ تظهر حاجة الثقافة إليها، على رأسها هل نحن في حاجة إلى مراجعات لما تم إنجازه من أفكار أو كتابات سابقة. الأغلبية قالت بأهمية المراجعات، لكن طبعا كان لي رأي لم أكمله، وهو أن مراجعات كتابات المفكرين لا تتوقف، والمشكلة تكمن في مراجعات الكتب الدينية والفقهية. هناك دائما عقبات باعتبار كتابها فوق الخطأ ولهم قداستهم حتى أن الخطأ في أحدهم مثل البخاري أو غيره من مفكري المذاهب الفقهية يصل بصاحبه إلى المحاكمة تحت قانون ازدراء الأديان، في مصر التي أعرفها، وهو أهون من القتل في بلاد أخرى على أي حال. كنت أتمني أن أقول أن قتل الأب بالمعنى الفكري هو أول طريق الانتقال إلى الأمام، لكن طبعا كنت مرهقا من قلة النوم وتذكرت أننا، نحن المبدعين، لا نملك فطنة المفكرين فنحن ممنوعون منذ أفلاطون من دخول المدينة الفاضلة، لأنه لا شيء يرضينا مهما كان اكتماله، رغم أن أحدا لا يفكر أننا نريد الأفضل منه دائما.
طرح وحيد عبد المجيد في النهاية أسئلة عن أولوية أو تدرج بعض الشعارات في الأهمية، باعتبارها أهدافا وترتيبها ليستفيد بذلك في تقديم دراسة المركز عن المؤتمر. كانت الشعارات المطروحة للنظر في أولوياتها عديدة على رأسها، الحرية بجوانبها الاجتماعية والثقافية والمواطنة والعدل والمساواة وغيرها، قدّمها على شكل أسئلة تحتاج إجابة بدون تفسير أو شرح كنوع من الاستفتاء السريع. طبعا كانت الحرية هي الأكثر موافقة في ما انتبهت إليه، وأرجو أن لا أكون أخطأت بعد أن انقضي النهار أيضا بلا نوم، فقد كانت الساعة على مشارف السادسة مساء.
في النهاية رغم اتفاق الجميع على أنه من الصعب إقامة نموذج واحد للثقافة، كان تفسير الأمر بشكل رائع من هنري العويط بأن هذا لا يعني الجمود، لكن يعني البحث عما هو مشترك في العالم العربي. ورغم أنه قدم هذا التفسير مبكرا مع نهاية الندوة الأولى إلا أن الخوف من النمذجة ظل فوقنا. رغم ذلك كنا في وضع أفضل، فقد قرأت في أخبار معرض عمان للكتاب في الأردن عن فاعلية كبيرة كانت تحت عنوان «الأمن الثقافي» وكانت اللافتة ظاهرة في كل الأخبار. قلت الحمد لله، نحن لم نفعل ذلك. وبالمناسبة معظم ما قرأته من عناوين الدراسات المقدمة، فأنا لست هناك، كان فيها مصطلح الأمن غائب. وأتمنى أن يكون قد غاب عن الدراسات.

٭ روائي مصري

 

حول نموذج ثقافي عربي

إبراهيم عبد المجيد

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left