متى يغادر الاستبداد ديارنا؟

عمرو حمزاوي

Oct 09, 2018

تفرض طبائع الاستبداد التي استوطنت بلاد العرب منذ أمد بعيد مصائر قاسية على أصحاب الرأي الحر. تخونهم وسائل الإعلام المسيطر عليها حكوميا، تتعقبهم الأجهزة الأمنية، يتعرضون لسلب الحرية، يواجهون قمعا ممنهجا وراء أسوار السجون. وحين يرتحلون إلى المنافي طلبا للآمان، تترصدهم بعض الحكومات وتهددهم بالاختطاف أو الإخفاء أو التصفية الجسدية ما لم يصمتوا تماما. وإن رفض المنفيون من أصحاب الرأي الآخر الصمت، قد تصبح تهديدات التصفية واقعا أليما وأحيانا دمويا.
بين سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين تعقب نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين معارضيه السياسيين ومن أدان دمويته وديكتاتوريته من المثقفين والكتاب في منافيهم الغربية. وذات الشيء فعله نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا حين تورط في الثمانينيات والتسعينيات في اختطاف بعض معارضيه في الخارج وإعادتهم إلى ليبيا وتصفيتهم بالقتل أو تركهم في السجون حتى الموت. هكذا اختطفت أجهزة القذافي الأمنية على سبيل المثال السياسي المعارض جاب الله مطر الذي اختفى بداية التسعينيات في مصر ويرجح تصفيته في أحد سجون القذافي، وهكذا قتلت وزير الخارجية الليبي الأسبق منصور الكيخيا الذي تحول إلى معارض في الثمانينيات واختطف في التسعينيات أيضا من مصر وأعدم بعد إعادته إلى ليبيا (عثر على جثته في 2012 بعد سقوط نظام القذافي). وفي المقابل، تورط نظام بشار الأسد في العقد الأول من الألفية الجديدة في جرائم تصفية لبعض معارضي سياساته تجاه لبنان من السياسيين والكتاب اللبنانيين مثل السياسي اليساري جورج حاوي والصحافيين سمير قصير وجبران تويني الذين اغتيلوا جميعا في 2005.
لم تتورع نظم حكم عربية أخرى، مثل نظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وحكم الملك الحسن الثاني في المغرب خاصة في السبعينيات والثمانينيات، عن تعقب معارضيها من السياسيين والمثقفين والكتاب في المنافي وتضييق الخناق عليهم تارة بمواصلة تشويههم في الداخل والخارج ومحاربتهم في مصادر رزقهم وتارة بالقمع الممنهج لأسرهم وأقاربهم الذين ظلوا في الأوطان.
ومثلما يدلل تعقب المعارضين وأصحاب الرأي الآخر في الداخل على الإفلاس الأخلاقي والسياسي لنظم الحكم العربية التي لا تريد غير المواطن الخانع والخائف، يظهر ترصد معارضي المنافي من جهة الطبيعة الانتقامية لحكومات لا تغفر لمن جهر بكلمة «لا» حتى وإن صار بعيدا آلاف الأميال وتثبت من جهة أخرى استخفافها بكافة المواثيق والأعراف الدولية التي تعطي الامان لسياسيين ومثقفين وكتاب سلميين تركوا أوطانهم وارتحلوا حفاظا على سلامتهم الشخصية وتمسكا بالرأي الحر. كان صدام حسين ومعمر القذافي ومن شابههم من حكام العرب المستبدين يعلنون على الملأ تعقب أجهزتهم الأمنية للمعارضين في الخارج، كانوا يتفاخرون بتصفيتهم ويطلقون عليهم الأوصاف التي تحط من شأنهم (مثل عبارة الكلاب الضالة التي دأب القذافي على استخدامها حين الإشارة إلى معارضيه في الخارج) ويروجون في الداخل لجرائم أجهزتهم الأمنية لفرض المزيد من الخنوع والخوف على الجموع الخانعة والخائفة بالفعل (اختلف هنا نظام الأسد الذي أنكر دوما تورطه في تصفية معارضيه ومازال).
لكل ذلك، ليس اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي واغتياله المحتمل بالأمر غير المتوارد في قاموس أفعال بعض نظم الحكم العربية حين تضيق ذرعا بمعارضيها وأصحاب الرأي الآخر في الخارج. وفقا للمعلومات المتوفرة حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، دخل السيد خاشقجي قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية يوم الثلاثاء الماضي لإنهاء معاملات شخصية ولم يشاهد من حينها. تنفي السلطات السعودية احتجازها للصحافي الذي كتب خلال العام الماضي مقالات ناقدة للأوضاع السائدة في بلاده وللسياسات الحكومية، وتتمسك بكونها لا تعرف شيئا عن مصيره. ولأن الرجل دخل مبنى القنصلية وفقد أثره من بعد الدخول أي اختفى قسريا، يصعب أن يقنع النفي السعودي الرسمي الكثيرين (تماما مثلما لم تقتنع أغلبية اللبنانيين بإنكار نظام بشار الأسد التورط في اغتيال حاوي وقصير وتويني، ولم يحل الإنكار الرسمي دون تبلور يقين شعبي بمسؤولية الأجهزة الأمنية السورية عن تلك الجرائم المفزعة).
في داخل السعودية والآن خارجها، تتعقب السياسة الرسمية المعارضين وأصحاب الرأي الآخر. المسموح به الوحيد هو الطاعة الكاملة والتأييد الدائم للمؤسسة الملكية وللقرارات الحكومية، المسموح به الوحيد هو الامتناع المطلق عن إثارة علامات الاستفهام إن حول الزج إلى السجون بأكاديميين ورجال دين ومدافعات عن حقوق الإنسان أو حول السياسات الاقتصادية المطبقة أو حول التورط في الحرب على اليمن.
في داخل السعودية والآن خارجها، تصطنع المؤسسة الملكية ممثلة في ولي العهد لذاتها صورة الحكم الإصلاحي الحديث الذي يقر للنساء بالحق في قيادة السيارات ويعيد دور السينما والمسارح إلى البلاد ويعمل على تطوير الاقتصاد بالبحث عن بدائل للاعتماد الأحادي على عوائد النفط. ولتثبيت ملامح تلك الصورة الحداثية والترويج لها ولولي العهد كبطلها، يتعين إسكات كل صوت وطني يشكك في التزام المؤسسة الملكية بالإصلاح بينما تواصل السياسة الرسمية تعقب المعارضين السلميين وتزج بهم إلى السجون بوتائر متسارعة وتصر على الاستمرار في الحرب العبثية والدموية على اليمن. وللإسكات سبل كثيرة جميعها ترد في قاموس أفعال نظم الحكم العربية، من شراء الذمم والضمائر إلى التهديد والوعيد ومن سلب الحرية إلى الاختطاف والإخفاء وأحيانا التصفية الجسدية. والأرجح أن الصحافي جمال خاشقجي واجه جرائم الاختطاف والإخفاء والتصفية الجسدية خلال الأيام الأخيرة بغية إسكات صوته وقصف قلمه مثلما واجه ويواجه كثيرون من أصحاب الرأي الحر على امتداد بلادنا صنوفا من تلك الجرائم ومصائرها القاسية.
إن كان جمال خاشقجي قد قتل، فقتله جريمة مفزعة تنتهك حقه الأصيل في الحياة الآمنة وتعاقبه على الرأي الحر وتفرض الحزن على أسرته وأحبائه. وأن كان قد أخفي، فتمنياتي له ولكل معارض سلمي متعقب ولكل مثقف مهدد ولكل صحافي زج به خلف الأسوار بالسلامة الشخصية واستعادة الحرية.
متى تنعتق بلاد العرب ويغادر ديارنا وباء الاستبداد؟ متى؟

٭ كاتب من مصر

متى يغادر الاستبداد ديارنا؟

عمرو حمزاوي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left