خيبة العرب في بناء المجموعات الكبرى

Dec 05, 2018

حالة العالم العربي اليوم هي نتيجة الانطلاقة غير السليمة، عندما شرع في بناء مؤسساته الدولتية في أعقاب انحسار الاستعمار عن دياره. فقد كان الأسلم للعالم العربي أن يتواصل مع فكرة انضمامه إلى المجموعة الكبرى، كأن تكون الأمة العربية أو الأمة الإسلامية كأفضل صيغة سياسية وحضارية له، خاصة في لحظة زمنية تعد فيها السياسة القوة الفعلية بامتياز. فقد ظهرت تنظيمات دولية ذات طابع حكومي، وأخرى ذات صبغة غير حكومية، توفر إمكانية حفظ الدولة الوطنية القائمة، أو التي يراد لها أن تنشأ في ظل الشرعية الدولية، مثل عصبة الأمم بداية عام 1919، أو هيئة الأمم المتحدة بداية عام 1945.
النخبة العربية الأولى حاربت الدولة العثمانية، كما حاربت الدول الاستعمارية الأوروبية، ثم إسرائيل، لكن بدون أن تؤمن لنفسها مجموعة كبرى تقيها عواصف وعوادي الأزمة، لما بعد الاستعمار. فقد خرجت الحركات الوطنية والإصلاحية من تصفية الاستعمار عاريةً لا تتدثر بأي حلف أو معسكر أو مجموعة تؤكد هويتها وتعتصم بها.
لم ينطلق العالم العربي من وعي ذاتي كامل يلم كافة أطراف وأجزاء وأقطار بلدانه، في وحدة لا تنفصم عراها، بل كل ما أنجزه على الصعيد السياسي هو التخلص من الحكم العثماني بمساعدة الغرب، ثم التخلص من الحكم الاستعماري عبر المقاومة السياسية والمسلحة، بناء على مفاهيم وأفكار وحركات التحرر التي سادت ربوع العالم كله. غير أن أهم نتيجة في كل مسار التحرر من القوى المسيطرة عليه، وهي إرساء معالم لقوام دولة عربية ذات قومية واحدة لم يتم لها الوجود، وأوجدت صيغة بديلة تؤكد حالة التشرذم والتجزئة، وهي جامعة الدول العربية، عبرها يتم إنجاز وإتمام بناء نظام الدولة القطرية العربية. فقد تأسست جامعة الدول العربية من قبل مجموعة قليلة من الدول، كانت بمثابة النواة الأولى للدولة العربية المنشودة. بينما باقي الدول سيتم الاعتراف بها فور استيفاء حالة الاستقلال عن الدولة الاستعمارية، بمعنى آخر، فإن الجامعة العربية هي وعاء لجمع أنظمة، ووسيلة لتنشئة الدولة الوطنية في صيغتها القُطْرية وليس القومية على ما رفعت الأنظمة التقدمية من شعارات، خاصة منها البعثية في كل من العراق وسورية. ولعلّ هذا التناقض هو الذي استمر يغذي الشقاق والتشرذم إلى حد الاحتراب بين البلدان العربية، والحروب الأهلية الداخلية بسبب غياب المجموعة الكبرى التي تضم الجميع في وحدة سياسية تعصمهم من التفتت والتفكك والاندثار، كما يجري اليوم في غير بلد عربي، في سياق ما يعرف بالربيع العربي الذي طال أمده وأصبح مفعوله عكس ما يراد منه.
نتحدث عن عالم عربي كحالة يمكن بها وصف الوضعية التي كانت عليها شعوب عربية، أبرز ملامحها وخصائصها اللسان العربي والدين الإسلامي، ولا تتوفر على أي إمكانية سياسية تعبر عن كيان واحد فاعل أو مستعد لأن يكون فاعلا في الحياة العربية والعالمية، على غرار الدول الأوروبية والأمريكية ولاحقا الآسيوية، بصرف النظر عن مقوماتها الذاتية، كل ما في الأمر أنها صارت فاعلة بقوتها السياسية، التي تتجاوب أكثر مع حقائق ومقتضيات العصر الحديث والمعاصر، أي قوة فاعلة في التاريخ، فالتجزئة، وليس الوحدة هي منطلق العرب في بناء أنظمة حكم سياسية تكرس بشكل متواصل الدول القطرية، على ما آلت إليه السودان بعد استقلال الجنوب عنه، وما يراد لسورية والعراق واليمن في الظرف الراهن.
إن القراءة التاريخية التي عمادها الموضوعية والرؤية الجديدة لظروف وسياق منطلقات البناء والتشييد، تؤكد حقيقة لا يمكن دحضها تحت أي طائل وهي خروج العرب من التاريخ المعاصر، الذي يحرص أشد ما يحرص على اللَّوَاذ والاعتصام بمجموعة سياسية كبرى تحوي كل العرب، بالقدر الذي يفصح عن كينونتهم الجوهرية التي لا تقبل التفتيت أو التفكيك. كان مسار العمل السياسي للعرب والمسلمين، التطلع إلى مجموعة كبرى تتخطى الفروع الإثنية والدينية واللغوية، لا لتلغيها بقدر ما تستوعبها ككيانات محلية وجهوية ومناطقية تأخذ قيمتها وأهميتها ووجودها الحقيقي من المجموعة الكبرى التي تحفظ لها وجودها الذي لا يتناقض مع طبيعة المجموعة الكبرى التي تختزل كل خصائص وملامح الكيان السياسي الحديث والمعاصر، يجاري العصر ولا يتنكر له، كما فعلت الكيانات القطرية الوطنية العربية طوال أكثر من نصف قرن من الاستقلال، فقد تحركت النخبة العربية الأولى بغية الانفصال عن الخلافة العثمانية، على خلفية بناء دولة قومية عربية تستوعب وتستبطن الكيان الجغرافي والتاريخي للعرب. كذلك الأمر بالنسبة للنخبة ذات التوجه الإسلامي، التي راهنت على نشاط فكري وسياسي يرمي إلى بناء وحدة إسلامية كبرى تلم شتات المسلمين حيثما كانوا، في وحدة عرفت في ذلك الوقت بالجامعة الإسلامية، كان زعيمها ورائدها الأول جمال الدين الأفغاني. غير أن ما تطلع إليه الرواد كان شيئا وما تحقق كان شيئا آخرا، ويبدو أن مسار العرب والمسلمين ومصيرهم لم يكن بيدهم ولا يصدر عن إرادة حرة بالكامل.
ومن هنا، فالقراءة التي نقدمها في هذا المقال لتاريخ العرب الحديث والمعاصر ليست قراءة مضادة للتاريخ، بقدر ما أنها تروم الوقوف على أن ما تحقق فعلا لم يكن ما يَأْمَلُه العرب في أول عهدهم بتأسيس الكيان العربي الكامل والشامل. فقد تبين، دائما من خلال القراءة التحليلية التي تأخذ بما أنجَزَة قياسا بفكرة التأسيس والتطلع إليها، أن هناك مفارقة لازمت المسار العربي ومصيره، وأن سبب المفارقة هو عدم قدرة العرب على الانتماء السياسي والقانوني الشرعي للمجموعة الكبرى التي تصون خصائص العرب في الكيان الواحد، وأن أصل الخلل البنيوي يكمن في هذا الغياب الفادح والفاضح، لوجودهم غير المستقر وغير الآمن. خاب العرب إذن في بلورة مؤسسة سياسية عربية واحدة تعبر عن الكيان القومي الذي يرصد ويراكم التجربة التاريخية في كافة أبعادها للقرن العشرين، على ما شهدت وعرفت كل الدول ذات الحضارات العريقة، بما في ذلك الدولة التركية والدولة الإيرانية، التي تتقاسم أكثر من ملمح مشترك مع العرب وتراثهم. وهذه الخيبة هي الفرصة التاريخية التي ضاعت على بلدان المغرب العربي أو شمال إفريقيا في حوليات الإدارة الاستعمارية، وحرمتهم من ثم في عدم تحقيق التحول العميق الإيجابي الواصل إلى بناء الدولة العربية القارة والتامة. ولعلّ النتيجة الخطيرة لغياب غطاء سياسي متين لحماية الدولة العربية الناشئة والمأمولة، هي انهيار الأنظمة بانهيار قادتها ومؤسسها وزعمائها، على ما نلاحظ في سياق الثورات والحروب القائمة في العالم العربي. فبدل بناء مؤسسات دولة لا تزول بزوال الرجال، فقد انهارت «دولة الرئيس».

*كاتب وباحث جزائري

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left